وَٱلصَّـٰٓفَّـٰتِ صَفًّۭا ﴿١﴾
أقسم بالملائكة التي تص ف في عبادتها متراص ة
الرئيسية›التفسير›الصافات (٣٧)
مكية · ١٨٢ آيات
وَٱلصَّـٰٓفَّـٰتِ صَفًّۭا ﴿١﴾
أقسم بالملائكة التي تص ف في عبادتها متراص ة
فَٱلزَّٰجِرَٰتِ زَجْرًۭا ﴿٢﴾
وأقسم بالملائكة التي تزجر السحاب، وتسوقه إلى حيث يشاء الله له أن ينزل
فَٱلتَّـٰلِيَـٰتِ ذِكْرًا ﴿٣﴾
وأقسم بالملائكة الذين يتلون كلام الله. إ ن إلهكم لوحد
إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَٰحِدٌۭ ﴿٤﴾
إن معبودكم بحق - أيها الناس - لواحد لا شريك له، وهو الله
رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ ٱلْمَشَـٰرِقِ ﴿٥﴾
رب السماوات، ورب الأرض، ورب ما بينهما، ورب الشمس في مطالعها ومغاربها طول السنة
إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ ﴿٦﴾
إنا جملنا أقرب السماوات إلى الأرض بزينة جميلة هي الكواكب التي هي في النظر كالجواهر المتأللئة. وحفظا من كل شيطن م ارد
وَحِفْظًۭا مِّن كُلِّ شَيْطَـٰنٍۢ مَّارِدٍۢ ﴿٧﴾
وحفظنا السماء الدنيا بالنجوم من كل شيطان متمرد خارج عن الطاعة؛ فيرمى بها
لَّا يَسَّمَّعُونَ إِلَى ٱلْمَلَإِ ٱلْأَعْلَىٰ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍۢ ﴿٨﴾
لا يستطيع هؤلاء الشياطين أن يسمعوا الملائكة في السماء إذا تكلموا بما يوحيه إليهم ربهم من شرعه ولا من قدره، ويرمون بالشه بمن كل جانب
دُحُورًۭا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌۭ وَاصِبٌ ﴿٩﴾
طردا لهم وإبعادا عن الاستماع إليهم، ولهم في الآخرة عذاب مؤلم دائم لا ينقطع
إِلَّا مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُۥ شِهَابٌۭ ثَاقِبٌۭ ﴿١٠﴾
إلا من اختطف من الشياطين خ طفة، وهي كلمة مما يتفاوض فيه الملائكة ويدور بينهم مما لم يصل علمه إلى أهل الأرض، فيتبعه شهاب مضيء يحرقه، وربما يلقي تلك الكلمة قبل أن يحرقه الشهاب إلى إخوانه فتصل إلى الكهان، فيكذبون معها مئة كذبة. بلغ
فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَآ ۚ إِنَّا خَلَقْنَـٰهُم مِّن طِينٍۢ لَّازِبٍۭ ﴿١١﴾
فاسأل - يا محمد - الكفار المنكرين للبعث: أهم أشد خلقا وأقوى أجساما وأعظم أعضاء ممن خلقنا من السماوات والأرض والملائكة؟ إنا خلقناهم من طين لزج، فكيف ينكرون البعث، وهم مخلوقون من خلق ضعيف وهو الطين اللزج؟ بل عجبت ويسخرون
بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ ﴿١٢﴾
بل عجبت - يا محمد - من قدرة الله وتدبيره لشؤون خلقه، وعجبت من تكذيب المشركين بالبعث، وهؤلاء المشركون من شدة تكذيبهم بالبعث يسخرون مما تقول بشأنه. وإ ذا ذكروا لا يذكرون
وَإِذَا ذُكِّرُوا۟ لَا يَذْكُرُونَ ﴿١٣﴾
وإذا وعظ هؤلاء المشركون بموعظة من المواعظ لم يتعظوا بها، ولم ينتفعوا؛ لما هم عليه من قساوة القلوب. وإ ذا رأ وا ءاية يستسخرون
وَإِذَا رَأَوْا۟ ءَايَةًۭ يَسْتَسْخِرُونَ ﴿١٤﴾
وإذا شاهدوا آية من آيات النبي صلى الله عليه وسلم الدالة على صدقه بالغوا في السخرية والتعجب منها
وَقَالُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌ ﴿١٥﴾
وقالوا: ما هذا الذي جاء به محمد إلا سحر واضح. أءذا متنا وكنا ترابا وعظما أءنا لمبعوثون
أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًۭا وَعِظَـٰمًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ﴿١٦﴾
أإذا متنا وصرنا ترابا وعظاما بالية متفتتة أإنا لمبعوثون أحياء بعد ذلك؟! إن هذا لمستبعد
أَوَءَابَآؤُنَا ٱلْأَوَّلُونَ ﴿١٧﴾
أويبعث آباؤنا الأولون الذين ماتوا قبلنا؟! قل نعم وأنتم دخرون
قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَٰخِرُونَ ﴿١٨﴾
قل - يا محمد - مجيبا إياهم: نعم تبعثون بعد أن صرتم ترابا وعظاما بالية، ويبعث آباؤكم الأولون، تبعثون جميعا وأنتم صاغرون ذليلون. فإنما هى زجرة وحدة فإذا هم ينظرون
فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌۭ وَٰحِدَةٌۭ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ ﴿١٩﴾
فإنما هي نفخة واحدة في الصور (النفخة الثانية) فإذا هم جميعا ينظرون إلى أهوال يوم القيامة يترقبون ما يفعل الله بهم
وَقَالُوا۟ يَـٰوَيْلَنَا هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدِّينِ ﴿٢٠﴾
وقال المشركون المكذبون بالبعث: يا هلاكنا هذا يوم الجزاء الذي يجازي فيه الله عباده على ما قدموا في حياتهم الدنيا من عمل. بلغ
هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ٱلَّذِى كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ﴿٢١﴾
فيقال لهم: هذا يوم القضاء بين العباد الذي كنتم تنكرونه وتكذبون به في الدنيا
۞ ٱحْشُرُوا۟ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ وَأَزْوَٰجَهُمْ وَمَا كَانُوا۟ يَعْبُدُونَ ﴿٢٢﴾
مِن دُونِ ٱللَّهِ فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْجَحِيمِ ﴿٢٣﴾
ويقال للملائكة في ذلك اليوم: اجمعوا المشركين الظالمين بشركهم هم وأشباههم في الشرك والمشايعون لهم في التكذيب، وما كانوا يعبدونه من دون الله من الأصنام، فعرفوهم طريق النار ودلوهم عليها وسوقوهم إليها، فإنها مصيرهم
وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْـُٔولُونَ ﴿٢٤﴾
واحبسوهم قبل إدخالهم النار للحساب، فهم مسؤولون، ثم بعد ذلك سوقوهم إلى النار. ما لكم لا تناصرون
مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ ﴿٢٥﴾
ويقال لهم توبيخ الهم: ما بالكم لا ينصر بعضكم بعض اكما كنتم في الدنيا تتناصرون، وتزعمون أن أصنامكم تنصركم؟!
بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ ﴿٢٦﴾
بل هم اليوم منقادون ألمر الله ذليلون، لا ينصر بعضهم بعض العجزهم وقلة حيلتهم
وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ يَتَسَآءَلُونَ ﴿٢٧﴾
وأقبل بعضهم على بعض يتلاومون ويتخاصمون حين لا ينفع التلاوم والتخاصم
قَالُوٓا۟ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ ﴿٢٨﴾
قال الأتباع للمتبوعين: إنكم - يا كبراءنا - كنتم تأتوننا من جهة الدين والحق فتزينون لنا الكفر والشرك بالله وارتكاب المعاصي، وتنفروننا من الحق الذي جاءت به الرسل من عند الله. قالوا بل لم تكونوا مؤمنين
قَالُوا۟ بَل لَّمْ تَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ ﴿٢٩﴾
قال المتبوعون لألتباع: ليس الأمر - كما زعمتم - بل كنتم على الكفر ولم تكونوا مؤمنين، بل كنتم منكرين
وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلْطَـٰنٍۭ ۖ بَلْ كُنتُمْ قَوْمًۭا طَـٰغِينَ ﴿٣٠﴾
وما كان لنا عليكم أيها الأتباع من تسلط بقهر أو غلبة حتى نوقعكم في الكفر والشرك وارتكاب المعاصي، بل كنتم قوما متجاوزين الحد في الكفر والضلال. بلغ
فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ ۖ إِنَّا لَذَآئِقُونَ ﴿٣١﴾
فوجب علينا وعليكم وعيد الله في قوله: ﴿ ألمألن جهنم منك و ممن تبعك منه م أج معين﴾ (ص: ٨٥)، ومن ثم فإنا ذائقون - لا محالة- ما توعد به ربنا. فأ غوينكم إنا كنا غوين
فَأَغْوَيْنَـٰكُمْ إِنَّا كُنَّا غَـٰوِينَ ﴿٣٢﴾
فدعوناكم إلى الضلال والكفر، إنا كنا ضالين عن طريق الهدى
فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍۢ فِى ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ﴿٣٣﴾
فإن الأتباع والمتبوعين في العذاب يوم القيامة مشتركون
إِنَّا كَذَٰلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ ﴿٣٤﴾
إنا كما فعلنا بهؤلاء من إذاقتهم العذاب، نفعل بالمجرمين من غيرهم
إِنَّهُمْ كَانُوٓا۟ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ﴿٣٥﴾
إن هؤلاء المشركين كانوا إذا قيل لهم في الدنيا: لا إله إلا الله للعمل بمقتضاها وترك ما يخالفها، رفضوا الاستجابة لذلك والإذعان له تكبرا عن الحق وترفعا عليه
وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوٓا۟ ءَالِهَتِنَا لِشَاعِرٍۢ مَّجْنُونٍۭ ﴿٣٦﴾
ويقولون محتجين لكفرهم: أنترك عبادة آلهتنا لقول شاعر مجنون؟! يعنون بقولهم هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم
بَلْ جَآءَ بِٱلْحَقِّ وَصَدَّقَ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴿٣٧﴾
لقد أعظموا الفرية، فما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مجنونا ولا شاعرا، بل جاء بالقرآن الداعي إلى توحيد الله واتباع رسوله، وصدق المرسلين فيما جاؤوا به من عند الله من التوحيد وإثبات المعاد، ولم يخالفهم في شيء
إِنَّكُمْ لَذَآئِقُوا۟ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَلِيمِ ﴿٣٨﴾
إنكم - أيها المشركون - لذائقو العذاب الموجع يوم القيامة بسبب كفركم وتكذيبكم للرسل. وما تجزون إل اما كنتم تعملون
وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٣٩﴾
وما تج زون - أيها المشركون - إلا ما كنتم تعملون في الدنيا من الكفر بالله وارتكاب المعاصي
إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴿٤٠﴾
لكن عباد الله المؤمنين الذين أخلصهم الله لعبادته، وأخلصوا له العبادة، هم بمنجاة من هذا العذاب. بلغ
أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ رِزْقٌۭ مَّعْلُومٌۭ ﴿٤١﴾
أولئك العباد المخلصون لهم رزق يرزقهم الله إياه، معلوم في طيبه وحسنه ودوامه
فَوَٰكِهُ ۖ وَهُم مُّكْرَمُونَ ﴿٤٢﴾
ذلك الرزق فواكه متنوعة من أطيب ما يأكلونه ويشتهونه، وهم فوق ذلك مكرمون برفع الدرجات وبالنظر إلى وجه الله الكريم
فِى جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ ﴿٤٣﴾
كل ذلك ينالونه في جنات النعيم المقيم الثابت الذي لا ينقطع ولا يزول. عل سرر م تقبلين
عَلَىٰ سُرُرٍۢ مُّتَقَـٰبِلِينَ ﴿٤٤﴾
يتكئون على أس رة متقابلين ينظر بعضهم إلى بعض. يطاف عليهم بكأس من م عين
يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍۢ مِّن مَّعِينٍۭ ﴿٤٥﴾
يدار عليهم بكؤوس الخمر التي هي في صفائها كالماء الجاري
بَيْضَآءَ لَذَّةٍۢ لِّلشَّـٰرِبِينَ ﴿٤٦﴾
بيضاء اللون يلتذ بشربها من يشربها لذة كاملة. لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون
لَا فِيهَا غَوْلٌۭ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ ﴿٤٧﴾
ليست كخمر الدنيا، فليس فيها ما يذهب العقول من السكر، ولا ينتاب متعاطيها ص داع، يس لم لشاربها جسمه وعقله
وَعِندَهُمْ قَـٰصِرَٰتُ ٱلطَّرْفِ عِينٌۭ ﴿٤٨﴾
وعندهم في الجنة نساء عفيفات، لا تمتد أبصارهن إلى غير أزواجهن، حسان العيون. كأن هن بيض م كنون
كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌۭ مَّكْنُونٌۭ ﴿٤٩﴾
كأنهن في بياض ألوانهن المشوبة بصفرة بيض طائر مصون لم تمسه الأيدي
فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ يَتَسَآءَلُونَ ﴿٥٠﴾
فأقبل بعض أهل الجنة على بعض يتساءلون عن ماضيهم وما حدث لهم في الدنيا. بلغ
قَالَ قَآئِلٌۭ مِّنْهُمْ إِنِّى كَانَ لِى قَرِينٌۭ ﴿٥١﴾
قال قائل من هؤلاء المؤمنين: إني كان لي في الدنيا صاحب منكر للبعث
يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ ﴿٥٢﴾
يقول لي منكرا وساخرا: هل أنت - أيها الصديق - من المصدقين ببعث الأموات؟ أءذا متنا وكنا ترابا وعظما أءنا لمدينون
أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًۭا وَعِظَـٰمًا أَءِنَّا لَمَدِينُونَ ﴿٥٣﴾
أإذا متنا وصرنا ترابا وعظاما نخرة أإنا لمبعوثون ومجازون على أعمالنا التي عملناها في الدنيا؟ قال هل أنتم م ط لعون
قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ ﴿٥٤﴾
قال قرينه المؤمن ألصحابه من أهل الجنة: اطلعوا معي لنرى مصير ذلك القرين الذي كان ينكر البعث؟
فَٱطَّلَعَ فَرَءَاهُ فِى سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ﴿٥٥﴾
فاطلع هو فرأى قرينه في وسط جهنم
قَالَ تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ ﴿٥٦﴾
قال: تالله لقد قاربت - أيها القرين - أن تهلكني بدخول النار بدعوتك لي إلى الكفر وإنكار البعث
وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّى لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ ﴿٥٧﴾
ولولا إنعام الله علي بالهداية لإليمان والتوفيق له، لكنت من المحضرين إلى العذاب مثلك. أفما نحن بميتين
أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ﴿٥٨﴾
فلسنا نحن - أصحاب الجنة- بميتين
إِلَّا مَوْتَتَنَا ٱلْأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴿٥٩﴾
غير موتتنا الأولى في الحياة الدنيا، بل نحن مخلدون في الجنة، ولسنا بمعذبين كما يعذب الكفار
إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ﴿٦٠﴾
إن هذا الذي جازانا به ربنا - من دخول الجنة والخلود فيها والسلامة من النار - لهو الظفر العظيم الذي لا ظفر يساويه. بلغ
لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَـٰمِلُونَ ﴿٦١﴾
لمثل هذا الجزاء العظيم يجب أن يعمل العاملون، فإن هذا هو التجارة الرابحة
أَذَٰلِكَ خَيْرٌۭ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ ﴿٦٢﴾
أذلك النعيم المذكور الذي أعده الله لعباده الذين أخلصهم لطاعته، خير وأفضل مقاما وكرامة، أم شجرة الزقوم الملعونة في القرآن التي هي طعام الكفار الذي لا يسمن ولا يغني من جوع؟! إنا جعلنها فتنة للظ لمين
إِنَّا جَعَلْنَـٰهَا فِتْنَةًۭ لِّلظَّـٰلِمِينَ ﴿٦٣﴾
إنا صيرنا هذه الشجرة فتنة يفتتن بها الظالمون بالكفر والمعاصي، حيث قالوا: إن النار تأكل الشجر، فلا يمكن أن ينبت فيها
إِنَّهَا شَجَرَةٌۭ تَخْرُجُ فِىٓ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ ﴿٦٤﴾
إن شجرة الزقوم شجرة خبيثة المنبت، فهي شجرة تخرج في قعر الجحيم
طَلْعُهَا كَأَنَّهُۥ رُءُوسُ ٱلشَّيَـٰطِينِ ﴿٦٥﴾
ثمرها الخارج منها كريه المنظر كأنه رؤوس الشياطين، وقبح المنظر دليل على قبح المخبر، وهذا يعني أن ثمرها خبيث الطعم
فَإِنَّهُمْ لَـَٔاكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِـُٔونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ ﴿٦٦﴾
فإن الكفار آلكلون من ثمرها المر القبيح، ومالئون منه بطونهم الخاوية. ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم
ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًۭا مِّنْ حَمِيمٍۢ ﴿٦٧﴾
ثم إنهم بعد أكلهم منها لهم شراب خليط قبيح حار
ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى ٱلْجَحِيمِ ﴿٦٨﴾
ثم إن رجوعهم بعد ذلك إللى عذاب الجحيم، فهم يتنقلون من عذاب إلى عذاب
إِنَّهُمْ أَلْفَوْا۟ ءَابَآءَهُمْ ضَآلِّينَ ﴿٦٩﴾
إن هؤلاء الكفار وجدوا آباءهم ضالين عن طريق الهداية، فتأسوا بهم تقليد الا عن حجة
فَهُمْ عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِمْ يُهْرَعُونَ ﴿٧٠﴾
فهم يتبعون آثار آبائهم في الضلالة مسرعين. بلغ
وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ ٱلْأَوَّلِينَ ﴿٧١﴾
ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين، فليس قومك - أيها الرسول - أول من ضل من الأمم. ولقد أرسلنا فيهم م نذرين
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِم مُّنذِرِينَ ﴿٧٢﴾
ولقد أرسلنا في تلك الأمم الأولى رسال يخوفونهم من عذاب الله، فكفروا
فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُنذَرِينَ ﴿٧٣﴾
فانظر - أيها الرسول - كيف كانت نهاية الأقوام الذين أنذرتهم رسلهم فلم يستجيبوا لهم، إن نهايتهم كانت دخول النار خالدين فيها بسبب كفرهم وتكذيبهم لرسلهم
إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴿٧٤﴾
إلا من أخلصهم الله لإليمان به، فإنهم ناجون من العذاب الذي كان نهاية أولئك المكذبين الكافرين
وَلَقَدْ نَادَىٰنَا نُوحٌۭ فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ ﴿٧٥﴾
ولقد دعانا نبينا نوح عليه السلام حين دعا على قومه الذين كذبوه، فلنعم المجيبون نحن، فقد سارعنا في إجابة دعائه عليهم
وَنَجَّيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُۥ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ ﴿٧٦﴾
ولقد سلمناه وأهل بيته والمؤمنين معه من أذى قومه ومن الغرق بالطوفان العظيم المرسل على الكافرين من قومه
وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُۥ هُمُ ٱلْبَاقِينَ ﴿٧٧﴾
ونجينا أهله وأتباعه المؤمنين وحدهم، فقد أغرقنا غيرهم من قومه الكافرين
وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلْـَٔاخِرِينَ ﴿٧٨﴾
وأبقينا له في الأمم اللاحقة ثناء حسنا يثنون به عليه
سَلَـٰمٌ عَلَىٰ نُوحٍۢ فِى ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿٧٩﴾
أمان وسلام لنوح من أن يقال فيه سوء في الأمم اللاحقة، بل سيبقى له الثناء والذكر الحسن
إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿٨٠﴾
إن مثل هذا الجزاء الذي جازينا به نوح اعليه السلام نجزي المحسنين بعبادتهم وطاعتهم لله وحده. بلغ
إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿٨١﴾
إن نوح امن عبادنا المؤمنين العاملين بطاعة الله
ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلْـَٔاخَرِينَ ﴿٨٢﴾
ثم أغرقنا الباقين بالطوفان الذي أرسلناه عليهم، فلم يبق منهم أحد
۞ وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِۦ لَإِبْرَٰهِيمَ ﴿٨٣﴾
وإن إبراهيم من أهل دينه الذين وافقوه في الدعوة إلى توحيد الله
إِذْ جَآءَ رَبَّهُۥ بِقَلْبٍۢ سَلِيمٍ ﴿٨٤﴾
اذكر حين جاء ربه بقلب سليم من الشرك ناصح لله في خلقه. إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون
إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِۦ مَاذَا تَعْبُدُونَ ﴿٨٥﴾
حين قال ألبيه وقومه المشركين موبخ الهم: ما الذي تعبدونه من دون الله؟!
أَئِفْكًا ءَالِهَةًۭ دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ ﴿٨٦﴾
أآلهة مكذوبة تعبدونها من دون الله؟
فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿٨٧﴾
فما ظنكم - يا قوم - برب العالمين إذا لقيتموه وأنتم تعبدون غيره؟! وماذا ترونه صانعا بكم؟!
فَنَظَرَ نَظْرَةًۭ فِى ٱلنُّجُومِ ﴿٨٨﴾
فنظر إبراهيم نظرة في النجوم يدبر مكيدة للتخلص من الخروج مع قومه. فقال إنى سقيم
فَقَالَ إِنِّى سَقِيمٌۭ ﴿٨٩﴾
فقال متعلال عن الخروج مع قومه إلى عيدهم: إني مريض. فتولوا عنه مدبرين
فَتَوَلَّوْا۟ عَنْهُ مُدْبِرِينَ ﴿٩٠﴾
فتركوه وراءهم وذهبوا. بلغ
فَرَاغَ إِلَىٰٓ ءَالِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ ﴿٩١﴾
فمال إلى آلهتهم التي يعبدونها من دون الله، فقال ساخرا من آلهتهم: ألا تأكلون من الطعام الذي يصنعه المشركون لكم؟! ما لكم لا تنطقون
مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ ﴿٩٢﴾
ما شأنكم لا تتكلمون، ولا تجيبون من يسألكم؟! أمثل هذا يعبد من دون الله؟!
فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًۢا بِٱلْيَمِينِ ﴿٩٣﴾
فمال عليهم إبراهيم يضربهم بيده اليمنى ليكسرهم
فَأَقْبَلُوٓا۟ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ ﴿٩٤﴾
فأقبل إليه عباد هذه الأصنام يسرعون. قال أتعبدون ما تنحتون
قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ ﴿٩٥﴾
فقابلهم إبراهيم بثبات، وقال لهم موبخ اإياهم: أتعبدون من دون الله آلهة أنتم الذين تنحتونها بأيديكم؟!
وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴿٩٦﴾
والله سبحانه خلقكم أنتم، وخلق عملكم، ومن عملكم هذه الأصنام، فهو المستحق ألن يعبد وحده، ولا يشرك به غيره
قَالُوا۟ ٱبْنُوا۟ لَهُۥ بُنْيَـٰنًۭا فَأَلْقُوهُ فِى ٱلْجَحِيمِ ﴿٩٧﴾
فلما عجزوا عن مقارعته بالحجة لجؤوا إلى القوة، فتشاوروا فيما بينهم فيما يفعلونه بإبراهيم، قالوا: ابنوا له بنيانا، واملؤوه حطبا وأضرموه، ثم ارموه فيه
فَأَرَادُوا۟ بِهِۦ كَيْدًۭا فَجَعَلْنَـٰهُمُ ٱلْأَسْفَلِينَ ﴿٩٨﴾
فأراد قوم إبراهيم بإبراهيم سوءا بأن يهلكوه فيستريحوا منه، فصيرناهم الخاسرين حين جعلنا النار عليه بردا وسلاما. وقال إنى ذاهب إلى ربى سيهدين
وَقَالَ إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّى سَيَهْدِينِ ﴿٩٩﴾
وقال إبراهيم: إني مهاجر إلى ربي تاركا بلد قومي ألتمكن من عبادته، سيدلني ربي على ما فيه الخير لي في الدنيا والآخرة
رَبِّ هَبْ لِى مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ﴿١٠٠﴾
يا رب، ارزقني ولد اصالحا يكون لي عونا وعوض اعن قومي في الغربة. بلغ فبش رنه بغلم حليم
فَبَشَّرْنَـٰهُ بِغُلَـٰمٍ حَلِيمٍۢ ﴿١٠١﴾
فاستجبنا له دعوته فأخبرناه بما يسره، حيث بشرناه بولد يكبر، ويصير حليم ا، وهذا الولد هو إسماعيل عليه السلام
فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ قَالَ يَـٰبُنَىَّ إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَـٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ ﴿١٠٢﴾
فلما شب إسماعيل، وأدرك سعيه سعي أبيه رأى أبوه إبراهيم رؤيا، ورؤيا الأنبياء وحي، قال إبراهيم مخبرا ابنه عن فحوى هذه الرؤيا: يا بني، إني رأيت في النوم أني أذبحك، فانظر ما ترى في ذلك، فأجاب إسماعيل أباه قائال: يا أبي، افعل ما أمرك الله به من ذبحي، ستجدني إن شاء الله من الصابرين الراضين بحكم الله
فَلَمَّآ أَسْلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلْجَبِينِ ﴿١٠٣﴾
فلما خضعا لله وانقادا له، وضع إبراهيم ابنه على جانب جبهته لينفذ ما أمر به من ذبحه
وَنَـٰدَيْنَـٰهُ أَن يَـٰٓإِبْرَٰهِيمُ ﴿١٠٤﴾
ونادينا إبراهيم وهو يه م بتنفيذ أمر الله بذبح ابنه: أن يا إبراهيم
قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّءْيَآ ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿١٠٥﴾
قد حققت الرؤيا التي رأيتها في منامك بعزمك على ذبح ابنك، إنا - كما جزيناك بتخليصك من هذه المحنة العظيمة - نجزي المحسنين فنخلصهم من المحن والشدائد
إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلَـٰٓؤُا۟ ٱلْمُبِينُ ﴿١٠٦﴾
إن هذا لهو الاختبار الواضح، وقد نجح إبراهيم فيه. وفدينه بذب ح عظيم
وَفَدَيْنَـٰهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍۢ ﴿١٠٧﴾
وفدينا إسماعيل بكبش عظيم بدال منه يذبح عنه
وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلْـَٔاخِرِينَ ﴿١٠٨﴾
وأبقينا على إبراهيم ثناء حسنا في الأمم اللاحقة
سَلَـٰمٌ عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ ﴿١٠٩﴾
تحية من الله له، ودعاء بالسلامة من كل ضر وآفة
كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿١١٠﴾
كما جازينا إبراهيم هذا الجزاء على طاعته نجازي المحسنين. بلغ
إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿١١١﴾
إن إبراهيم من عبادنا المؤمنين الذين يفون بما تقتضيه العبودية لله. ي
وَبَشَّرْنَـٰهُ بِإِسْحَـٰقَ نَبِيًّۭا مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ﴿١١٢﴾
وبشرناه بولد آخر يصير نبيا وعبد اصالح اوهو إسحاق؛ جزاء على طاعته لله في ذبح إسماعيل ولده الوحيد
وَبَـٰرَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰٓ إِسْحَـٰقَ ۚ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌۭ وَظَالِمٌۭ لِّنَفْسِهِۦ مُبِينٌۭ ﴿١١٣﴾
وأنزلنا عليه وعلى ابنه إسحاق بركة منا، فأكثرنا لهما النعم، ومنها تكثير ولدهما، ومن ذريتهما محسن بطاعته لربه، ومنهم ظالم لنفسه بالكفر وارتكاب المعاصي واضح الظلم. ولقد مننا عل موس وهرون
وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ﴿١١٤﴾
ولقد مننا على موسى وأخيه هارون بالنبوة
وَنَجَّيْنَـٰهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ ﴿١١٥﴾
وسلمناهما وقومهما بني إسرائيل من استعباد فرعون لهم ومن الغرق
وَنَصَرْنَـٰهُمْ فَكَانُوا۟ هُمُ ٱلْغَـٰلِبِينَ ﴿١١٦﴾
ونصرناهم على فرعون وجنوده، فكانت الغلبة لهم على عدوهم
وَءَاتَيْنَـٰهُمَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلْمُسْتَبِينَ ﴿١١٧﴾
وأعطينا موسى وأخاه هارون التوراة كتابا من عند الله واضح الا لبس فيه
وَهَدَيْنَـٰهُمَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ ﴿١١٨﴾
وهديناهما إلى الصراط المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، وهو طريق دين الإسلام الموصلة إلى مرضاة الخالق سبحانه
وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِى ٱلْـَٔاخِرِينَ ﴿١١٩﴾
وأبقينا عليهما ثناء حسنا وذكرا طيبا في الأمم اللاحقة. سلمعل موس وهرون
سَلَـٰمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ﴿١٢٠﴾
تحية من الله طيبة لهما وثناء عليهما ودعاء بالسلامة من كل مكروه. بلغ
إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿١٢١﴾
إنا كما جازينا موسى وهارون هذا الجزاء الحسن نجزي المحسنين بطاعتهم لربهم
إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿١٢٢﴾
إن موسى وهارون من عبادنا المؤمنين بالله العاملين بما شرع لهم
وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴿١٢٣﴾
وإن إلياس لمن المرسلين من ربه، أنعم الله عليه بالنبوة والرسالة
إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦٓ أَلَا تَتَّقُونَ ﴿١٢٤﴾
إذ قال لقومه الذين أرسل إليهم من بني إسرائيل: يا قوم، ألا تتقون الله؛ بامتثال أوامره، ومنها التوحيد، وباجتناب نواهيه، ومنها الشرك؟!
أَتَدْعُونَ بَعْلًۭا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَـٰلِقِينَ ﴿١٢٥﴾
أتعبدون من دون الله صنمكم بعال، وتتركون عبادة الله أحسن الخالقين؟!
ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ ءَابَآئِكُمُ ٱلْأَوَّلِينَ ﴿١٢٦﴾
والله هو ربكم الذي خلقكم، وخلق آباءكم من قبل، فهو المستحق للعبادة، لا غيره من الأصنام التي لا تنفع ولا تضر. فكذ بوه فإن هم لمحضرون
فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ﴿١٢٧﴾
فما كان من قومه إلا أن كذبوه، وبسبب تكذيبهم فهم مح ضرون في العذاب
إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴿١٢٨﴾
إلا من كان من قومه مؤمنا مخلص الله في عبادته؛ فإنه ناج من الإ حضار إلى العذاب
وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلْـَٔاخِرِينَ ﴿١٢٩﴾
وأبقينا عليه ثناء حسنا وذكرا طيبا في الأمم اللاحقة
سَلَـٰمٌ عَلَىٰٓ إِلْ يَاسِينَ ﴿١٣٠﴾
تحية من الله وثناء على إلياس. بلغ
إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿١٣١﴾
إنا كما جازينا إلياس هذا الجزاء الحسن نجزي المحسنين من عبادنا المؤمنين
إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿١٣٢﴾
إن إلياس من عبادنا المؤمنين حقا الصادقين في إيمانهم بربهم
وَإِنَّ لُوطًۭا لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴿١٣٣﴾
وإن لوطا لمن رسل الله الذين أرسلهم إلى أقوامهم مبشرين ومنذرين. إ ذ نجينه وأ هله أ جمعين
إِذْ نَجَّيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُۥٓ أَجْمَعِينَ ﴿١٣٤﴾
اذكر حين سلمناه وأهله كلهم من العذاب المرسل على قومه
إِلَّا عَجُوزًۭا فِى ٱلْغَـٰبِرِينَ ﴿١٣٥﴾
إلا زوجته، فقد كانت امرأة شملها عذاب قومها؛ لكونها كانت كافرة مثلهم
ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلْـَٔاخَرِينَ ﴿١٣٦﴾
ثم أهلكنا الباقين من قومه ممن كذبوا به، ولم يصدقوا بما جاء به. وإ نكم لتمر ون عليهم م ص بحين
وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ ﴿١٣٧﴾
وإنكم - يا أهل مكة - لتمرون على منازلهم في أسفاركم إلى الشام في وقت الصباح
وَبِٱلَّيْلِ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿١٣٨﴾
وتمرون عليها كذلك ليال، أفلا تعقلون، وتتعظون بما آل إليه أمرهم بعد تكذيبهم وكفرهم وارتكابهم الفاحشة التي لم يسبقوا إليها؟!
وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴿١٣٩﴾
وإن عبدنا يونس لمن رسل الله الذين أرسلهم إلى أقوامهم مبشرين ومنذرين
إِذْ أَبَقَ إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ ﴿١٤٠﴾
حين فر من قومه من غير إذن ربه، وركب سفينة مملوءة من الركاب والأمتعة. بلغ
فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ ﴿١٤١﴾
فأوشكت السفينة أن تغرق لا متلائها، فاقترع الركاب ليلقوا بعضهم؛ خوفا من غرق السفينة بسبب كثرة الركاب، فكان يونس من هؤلاء المغلوبين، فألقوه في البحر
فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌۭ ﴿١٤٢﴾
فلما ألقوه في البحر أخذه الحوت، وابتلعه، وهو آت بما يلام عليه؛ لذهابه إلى البحر بغير إذن ربه
فَلَوْلَآ أَنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ ﴿١٤٣﴾
فلولا أن يونس كان من الذاكرين الله كثيرا قبل ما حل به، ولولا تسبيحه في بطن الحوت
لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِۦٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴿١٤٤﴾
لمكث في بطن الحوت إلى يوم القيامة بحيث يصير له قبرا
۞ فَنَبَذْنَـٰهُ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌۭ ﴿١٤٥﴾
فألقيناه من بطن الحوت بأرض خالية من الشجر والبناء، وهو ضعيف البدن لمكثه مدة في بطن الحوت. وأنبتنا عليه ش جرة من يقطين
وَأَنۢبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةًۭ مِّن يَقْطِينٍۢ ﴿١٤٦﴾
وأنبتنا عليه في تلك الأرض الخالية شجرة من القرع يستظل بها ويأكل منها. وأرسلنه إ لى مائة ألف أو يزيدون
وَأَرْسَلْنَـٰهُ إِلَىٰ مِا۟ئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ﴿١٤٧﴾
وأرسلناه إلى قومه وعددهم مئة ألف، بل يزيدون. فٔامنوا فمتعنهم إ لى حين
فَـَٔامَنُوا۟ فَمَتَّعْنَـٰهُمْ إِلَىٰ حِينٍۢ ﴿١٤٨﴾
فآمنوا وصدقوا بما جاء به، فمتعهم الله في حياتهم الدنيا إلى أن انقضت آجالهم المحددة لهم
فَٱسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ ﴿١٤٩﴾
فاسأل - يا محمد - المشركين سؤال إنكار: أتجعلون لله البنات اللاتي تكرهونهن، وتجعلون لكم البنين الذين تحبونهم؟! أي قسمة هذه؟!
أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ إِنَـٰثًۭا وَهُمْ شَـٰهِدُونَ ﴿١٥٠﴾
كيف زعموا أن الملائكة إناث، وهم لم يحضروا خلقهم، وما شاهدوه؟! بلغ
أَلَآ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ﴿١٥١﴾
وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ ﴿١٥٢﴾
ألا إن المشركين من كذبهم على الله وافترائهم عليه لينسبون له الولد، وإنهم لكاذبون في دعواهم هذه
أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَى ٱلْبَنِينَ ﴿١٥٣﴾
هل اختار الله لنفسه البنات اللاتي تكرهونهن على البنين الذين تحبونهم؟! كلا. ما لكم كيف تحكمون
مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴿١٥٤﴾
ما لكم - أيها المشركون - تحكمون هذا الحكم الجائر حيث تجعلون لله البنات، وتجعلون لكم البنين؟! أ فلا تذك رون
أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴿١٥٥﴾
أفلا تتذكرون بطلان ما أنتم عليه من هذا الاعتقاد الفاسد؟! فإنكم لو تذكرتم لما قلتم هذا القول. أم لكم سلطن م بين
أَمْ لَكُمْ سُلْطَـٰنٌۭ مُّبِينٌۭ ﴿١٥٦﴾
أم لكم حجة جلية وبرهان واضح من كتاب بذلك أو رسول؟! فأ توا بكتبكم إ نكنتم صدقين
فَأْتُوا۟ بِكِتَـٰبِكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ﴿١٥٧﴾
فأتوا بكتابكم الذي يحمل لكم الحجة على هذا إن كنتم صادقين فيما تدعونه
وَجَعَلُوا۟ بَيْنَهُۥ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَبًۭا ۚ وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ﴿١٥٨﴾
وجعل المشركون بين الله وبين الملائكة المستورين عنهم نسبا حين زعموا أن الملائكة بنات الله، ولقد علمت الملائكة أن الله سيحضر المشركين للحساب
سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴿١٥٩﴾
تنزه الله وتقدس عما يصفه به المشركون مما لا يليق به سبحانه من الولد والشريك وغير ذلك
إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴿١٦٠﴾
إلا عباد الله المخلصين؛ فإنهم لا يصفون الله إلا بما يليق به سبحانه من صفات الجلال والكمال. فإنكم وما تعبدون
فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ ﴿١٦١﴾
فإنكم أنتم - أيها المشركون - وما تعبدون من دون الله. بلغ
مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَـٰتِنِينَ ﴿١٦٢﴾
لستم بمضلين من أحد عن دين الحق
إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ ﴿١٦٣﴾
إلا من قضى الله عليه أنه من أصحاب النار، فإن الله ينفذ فيه قضاءه فيكفر، ويدخل النار، أما أنتم ومعبوداتكم فلا قدرة لكم على ذلك
وَمَا مِنَّآ إِلَّا لَهُۥ مَقَامٌۭ مَّعْلُومٌۭ ﴿١٦٤﴾
وقالت الملائكة مبينة عبوديتها لله، وبراءتها مما زعمه المشركون: وليس منا أحد إلا له مقام معلوم في عبادة الله وطاعته
وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ ﴿١٦٥﴾
وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ ﴿١٦٦﴾
وإنا - نحن الملائكة - لواقفون صفوفا في عبادة الله وطاعته، وإنا لمنزهون الله عما لا يليق به من الصفات والنعوت. وإ نكانوا ليقولون
وَإِن كَانُوا۟ لَيَقُولُونَ ﴿١٦٧﴾
لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْرًۭا مِّنَ ٱلْأَوَّلِينَ ﴿١٦٨﴾
لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴿١٦٩﴾
فَكَفَرُوا۟ بِهِۦ ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴿١٧٠﴾
وإن المشركين من أهل مكة كانوا يقولون قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم: لو كان عندنا كتاب من كتب الأولين كالتوراة مثال؛ ألخلصنا لله العبادة، وهم كاذبون في ذلك، فقد جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن فكفروا به، فسوف يعلمون ما ينتظرهم من العذاب الشديد يوم القيامة
وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ ﴿١٧١﴾
إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ ﴿١٧٢﴾
وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ ﴿١٧٣﴾
ولقد سبقت كلمتنا لرسلنا إنهم منصورون على أعدائهم بما من الله عليهم به من الحجة والقوة، وإن الغلبة لجندنا الذين يقاتلون في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا. فتول عنهمحت حين
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍۢ ﴿١٧٤﴾
فأعرض - أيها الرسول - عن هؤلاء المشركين المعاندين إلى مدة يعلمها الله حتى يأتي وقت عذابهم. بلغ وأبصرهم فسوف يبصرون
وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ﴿١٧٥﴾
وانظرهم حين ينزل بهم العذاب، فسيبصرون حين لا ينفعهم إبصار. أ فبعذابنا يستعجلون
أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ﴿١٧٦﴾
أفيستعجل هؤلاء المشركون بعذاب الله؟!
فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنذَرِينَ ﴿١٧٧﴾
فإذا نزل عذاب الله بهم فبئس الصباح صباحهم. وتول عنهمحت حين
وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍۢ ﴿١٧٨﴾
وأعرض - أيها الرسول - عنهم حتى يقضي الله بعذابهم. وأبصر فسوف يبصرون
وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ﴿١٧٩﴾
وانظر فسينظر هؤلاء ما يحل بهم من عذاب الله وعقابه
سُبْحَـٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴿١٨٠﴾
تنزه ربك - يا محمد - رب القوة، وتقدس عما يصفه به المشركون من صفات النقص
وَسَلَـٰمٌ عَلَى ٱلْمُرْسَلِينَ ﴿١٨١﴾
وتحية الله وثناؤه على رسله الكرام
وَٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿١٨٢﴾
والثناء كله لله سبحانه وتعالى، فهو المستحق له، وهو رب العالمين جميعا، لا رب لهم سواه
تابع · ردِّد · سمِّع · بدون تسجيل